كشفت منظمة العمل الدولية عن استمرار الفجوة بين الرجال والنساء في المناصب الإدارية والقيادية داخل الشركات حول العالم، حيث لا تشغل النساء سوى 30.5% من إجمالي المناصب الإدارية، رغم التقدم الكبير الذي حققنه في مجالات التعليم واكتساب المهارات خلال العقود الماضية. وجاءت هذه النتائج ضمن تقرير جديد أصدرته المنظمة في 3 نوفمبر 2026 بعنوان «المرأة في الأعمال والإدارة: توسيع نطاق النجاح»، والذي يسلط الضوء على واقع مشاركة المرأة في قيادة الشركات، ومدى استفادة المؤسسات من سياسات المساواة والتنوع في بيئة العمل.
و اعتمد التقرير على بيانات استقصائية لثلاث مراحل من الأعوام 2013 و2018 و2025، إلى جانب بيانات سوق العمل على مدار ثلاثة عقود، وشمل نحو 12 ألف مؤسسة في 99 دولة. وأظهرت النتائج أن نسبة النساء في المناصب الإدارية ارتفعت ببطء من نحو 24% قبل ثلاثة عقود إلى 30.5% حاليًا، وهو تقدم لا يتناسب مع الزيادة الملحوظة في مستويات تعليم النساء ومشاركتهن في التعليم العالي على مستوى العالم. وتشير هذه الأرقام إلى أن الحصول على مؤهلات علمية وخبرات مهنية لم يترجم بالسرعة الكافية إلى فرص متساوية في الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسات.
و على الرغم من استمرار الفجوة، رصد التقرير بعض المؤشرات الإيجابية فيما يتعلق بوصول النساء إلى أعلى المناصب القيادية. فقد ارتفعت نسبة الشركات التي ترأس مجالس إدارتها امرأة من 13.1% عام 2013 إلى 30.9% عام 2025، كما زادت نسبة الشركات التي تتولى امرأة منصب الرئيس التنفيذي فيها من 23.4% إلى 28.2% خلال الفترة نفسها. لكن التقرير أشار إلى أن هذا التحسن لا يظهر بالدرجة نفسها في جميع المستويات الإدارية؛ فقد تحسن التوازن بين الجنسين في الإدارة العليا والمناصب القيادية الكبرى، بينما تراجع في المستويات الإدارية المبتدئة والمتوسطة. ويثير هذا التفاوت مخاوف بشأن فرص وصول المزيد من النساء إلى المناصب القيادية مستقبلًا، خاصة أن المستويات الإدارية المتوسطة تمثل عادة مرحلة مهمة في المسار المهني نحو القيادة العليا.
و لا تتعلق المشكلة بمجرد عدد النساء المؤهلات للعمل، بل تمتد إلى طبيعة الفرص المتاحة لهن داخل الشركات. وأوضح التقرير أن النساء يتمتعن بتمثيل أكبر في بعض المجالات، مثل الموارد البشرية والإدارة، مقارنة بوظائف أخرى ترتبط بصورة مباشرة بأداء الشركات ونتائجها، مثل المبيعات والعمليات والبحث والتطوير. وقد يؤثر هذا التوزيع على فرص اكتساب الخبرات التي تساعد الموظفات على الانتقال إلى المناصب التنفيذية العليا. كما أشار التقرير إلى أن المسؤوليات الأسرية وأعباء الرعاية غير المتساوية، إلى جانب بعض الحواجز الهيكلية والاجتماعية، يمكن أن تؤثر في قدرة المرأة على الاستمرار في مسارها المهني والتقدم داخله.
و من أبرز النتائج التي توصل إليها التقرير أن دعم المساواة والتنوع لا يعود بالنفع على النساء وحدهن، بل يمكن أن ينعكس إيجابيًا على أداء الشركات نفسها. فقد أفادت قرابة 7 شركات من كل 10 شركات شملها الاستطلاع عام 2025 بتحقيق نتائج تجارية أفضل نتيجة مبادرات المساواة بين الجنسين والتنوع، بزيادة قدرها 11.1 نقطة مئوية مقارنة بعام 2018. وشملت الفوائد التي أبلغت عنها المؤسسات تحسين القدرة على جذب المواهب والاحتفاظ بالموظفين، وتعزيز الابتكار والإنتاجية، وتحسين سمعة الشركات ومشاركة العاملين، إلى جانب زيادة الأرباح في بعض الحالات. كما أظهر التقرير أن الشركات التي تتولى فيها نساء منصب الرئيس التنفيذي أو رئاسة مجلس الإدارة كانت أكثر ميلًا للإبلاغ عن نتائج تجارية إيجابية.
و رغم الفوائد التي كشفت عنها الدراسة، رصد التقرير مشكلة أخرى تتمثل في اتساع الفجوة بين إعلان الشركات دعم المساواة وبين تنفيذ الإجراءات اللازمة لتحقيقها. فقد انخفض متوسط نسبة الشركات التي تطبق المبادرات المرتبطة بالمساواة والتنوع من 37.4% عام 2018 إلى 26.5% عام 2025. وتشمل الإجراءات التي حددتها المؤسسات باعتبارها فعالة برامج إجازات الأمومة والدعم المرتبط بها، والتصدي للتحرش في أماكن العمل، وتطبيق مبادئ المساواة في الأجور. ويعني ذلك أن وجود سياسات معلنة لدعم المرأة لا يكفي وحده، ما لم تتحول هذه السياسات إلى ممارسات فعلية ومستدامة داخل المؤسسات.
و تؤكد نتائج التقرير أهمية العمل على إزالة العقبات التي تحول دون تقدم النساء في حياتهن المهنية، من خلال توفير فرص متكافئة للترقي، وتطوير برامج التدريب والقيادة، وإتاحة الوصول إلى الوظائف التي تمنح الموظفات خبرات تؤهلهن للمناصب العليا. كما يتطلب الأمر توفير بيئة عمل أكثر دعمًا للأمهات والنساء اللاتي يتحملن مسؤوليات الرعاية الأسرية، إلى جانب تطبيق سياسات واضحة لمواجهة التمييز والتحرش وضمان تكافؤ الأجور. وتشير هذه النتائج إلى أن تحقيق التوازن في القيادة لا يعتمد فقط على زيادة عدد النساء في المناصب العليا، بل يحتاج أيضًا إلى بناء مسار مهني عادل يتيح لهن الوصول إلى تلك المناصب منذ المراحل الأولى للعمل.
