فى كل مرة يعتدى فيها متعصب على مقدساتنا، لا يخرج رد فعلنا عن التظاهر السلمى المشروع أو استخدام العنف الذى يحول الغاصب إلى «شهيد لحرية التعبير». وفى كل مرة، سرعان ما ينتهى الاحتجاج، حتى يظهر متعصب جديد. وظهور متعصبين جدد معناه أن حتى تظاهراتنا السلمية، رغم مشروعيتها، لم تحقق هدفها. والمشكلة فى تقديرى أننا فى كل مرة تستغرقنا تفاصيل الفعل المشين نفسه، دون حقيقة الظاهرة، فنوجه الرسالة للطرف الغلط.

حدث هذا مع الفيلم المسىء للرسول صلى الله عليه وسلم. فالقضية الحقيقية ليست ما جاء فى الفيلم من هراء، ولا هى حتى صناعه ومروجوه، الذين من فرط جبنهم اختفوا بل وكان أغلبهم يستخدم أسماء مستعارة. القضية هى أن الفيلم مجرد أداة من أدوات شبكة أمريكية اتخذت من الكراهية للإسلام والمسلمين هدفا وصناعة فى آن معا. وهى شبكة رموزها معروفة بالاسم، تبث سمومها علنا وتستعمل أمثال من صنعوا الفيلم لتحقيق أهدافها. وتلك الشبكة مثلها مثل شبكات أخرى شبكة عنصرية بالأساس. وتلك الشبكات ليست ظاهرة أمريكية جديدة، وإنما قديمة قدم الدولة الأمريكية ذاتها واستهدفت عبر التاريخ جماعات عرقية وإثنية ودينية شتى. ولأنها شبكة عنصرية، فإن التظاهر أو استخدام العنف لا يردعها. فالأمراض الاجتماعية كالعنصرية لا يردعها سوى القانون ونبذ المجتمع لها.

 

وفى حالة الفيلم الأخير، أضيف لرد فعلنا اللجوء للقانون. فقد كلّف الرئيس سفارتنا بواشنطن باتخاذ الإجراءات القانونية لملاحقة منتجى الفيلم. لكن تلك الملاحقة القانونية قد تكون فاعلة فى أى دولة إلا فى الولايات المتحدة للأسف لأنها ببساطة غير دستورية. فأغلب دول العالم الغربى صارت تحظر حرية التعبير إذا ما انطوت على «بث الكراهية» أو تضمنت «التشهير» بجماعة بعينها. وهى بنت هذا التطور على تعديلات فى دساتيرها، أو على مواثيق دولية التزمت بها.

فالمادة 19 من الإعلان العالمى للحقوق المدنية والسياسية التى تكفل حرية التعبير تسمح ببعض القيود التى استخدمتها تلك الدول لحظر التشهير وبث الكراهية. لكن كل ذلك لا ينطبق بحال على الولايات المتحدة سواء من زاوية دستورها أو المواثيق الدولية. فالفلسفة التى انبنى عليها الدستور الأمريكى اعتبرت أن مهمة الدستور حرمان الحكومة من تقييد الحريات، لا وضع قيود على الحريات. والولايات المتحدة اعتبرت أن المواثيق الدولية أدنى درجة من الدستور الأمريكى، بل وصدرت عن المحكمة العليا الأمريكية أحكام تقول صراحة إن انضمام أمريكا لأى اتفاقات دولية «لا يعفى حكومتها من القيود التى فرضها عليها الدستور بشأن الحريات». وبسبب هذا القيد على الحكومة، فإن اللجوء للقضاء الأمريكى لملاحقة منتجى الفيلم سيواجه صعوبات على الأرجح، إلا إذا تمت الملاحقة عبر محاكم الولايات التى تحظر التشهير. وبسبب هذا القيد على الحكومة، فإن التظاهر أمام السفارة الأمريكية ليس فاعلا لأن السفارة تمثل الحكومة ذاتها المقيدة بنصوص الدستور.

إذا كان الأمر كذلك، فلا يتبقى لنا إلا القانون الدولى، وتصدى المجتمع الأمريكى للظاهرة. فمصر تعج بمنظمات المجتمع المدنى المرتبطة بمنظمات المجتمع المدنى الأمريكى، تواصلا أو شراكة أو تمويلا. وقد آن الأوان لمنظماتنا المدنية أن تطالب نظيراتها الأمريكية بالتصدى داخل أمريكا نفسها لحملات التشهير تلك. فلم يعد مقبولا أن تتفاعل المنظمات الأمريكية معنا هنا، ثم تلتزم الصمت فى بلادها حين نتعرض للتشهير. والأمريكيون من أصول مصرية مهمتهم إنشاء منظمات لمكافحة التشهير وملاحقة هؤلاء على أساس قوانين الحقوق المدنية التى تحميهم كأمريكيين. باختصار، آن الأوان لأن نكف عن توجيه رسائلنا للطرف الغلط، فالتصدى للعنصرية مهمة المجتمع المدنى فى مصر وأمريكا لا حكومتيهما.

نقلا عن المصرى اليوم

Avatar photo

By حواء مصر

محررة موقع حواء مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *