عندما يتعرض لك شخص تُعزه بالأذى أو الإساءة، فإنه قد تُخالجك مشاعر الغضب والاستياء وتُراودك أفكار بالانتقام، كما قد تأمرك نفسك اللوامة بالعفو والصفح والتطلع إلى الأمام، مع طي صفحة ما حصل. فلست الوحيد ولست الأخير الذي يتعرض لإساءة، ولا يوجد أحد على وجه البسيطة منا لم يتعرض لأذى شخص آخر بأقوال أو أفعال، كائناً من كان.

لعلك تتذكر ذلك اليوم الذي انتقدتك فيه أمك بشكل لاذع واعتبرتك غير أهل للأبوة أو الأمومة بسبب طريقة تعاملك مع أولادك، أو لعلك تذكُر الفعل الشنيع الذي ارتكبه زميلك في العمل في حقك عندما سرق أفكارك أو مشروعك ونسبه لنفسه وتلقى الإطراء والتقدير على حسابك، وربما نال مكافأةً أو ترقيةً بفضلها! فمثل هذه الجروح المعنوية يمكنها أن تُخلف لديك مشاعر غضب ومرارة، وحتى رغبة في الانتقام إن لم تكن متعوداً على ممارسة العفو والصفح. وإذا طاوعت نفسك في هكذا حال، فإنك تكون أنت من يدفع ثمناً غالياً من صحتك النفسية. أما إن اعتنقت مذهب العفو والصفح والحلم، فإنك توقع اتفاق سلام وأمل وامتنان وفرح مع نفسك، وهو ما يجعلك تكتشف لاحقاً أنك اتخذت القرار الأكثر حكمةً وفائدةً لنفسك وروحك وجعلتهما يرفُلان في نعيم الرفاه الشعوري.

ماهية الصفح

عُموماً، العفو والصفح هو قرار شخصي يجعل صاحبه يتغلب على مشاعر الاستياء والتفكير في الانتقام. وقد يظل الأذى أو الإساءة التي تعرضت لها جزءاً من حياتك دائماً، لكن العفو وحده هو الذي يمكنه تخفيف قبضة تأثيرها على نفسك ويجعلك قادراً على التركيز على شيء آخر، كما يُساعدك على صرف انتباهك إلى جوانب إيجابية من حياتك، فتتلاشى حينها الأحقاد أو الضغائن التي قد تتسرب إلى نفسك تجاه الشخص المؤذي. وأكثر من ذلك، فإن العفو من شأنه أن يقودك إلى تفهم دوافع المسيء والشعور بالرحمة والشفقة عليه، وعُذره عما فعل.

والعفو لا يعني بالضرورة أنك ترفع عن الآخر مسؤولية إساءته إليك، كما أنه لا يعني التقليل من حجم الإيذاء الذي صدر منه أو تبرير سلوكه الخاطئ. إذ يمكنك أن تُسامح الشخص المؤذي دون أن تصفح عن زلته وفَعْلته السيئة. ولذلك فإن اتخاذ قرار العفو هو قرار براجماتي في جوهره يعود عليك أنت قبل غيرك بالنفع، ويجعلك تعيش نوعاً من السلام مع نفسك ويزيد رغبتك في الحياة أكثر.

سُهولة حمل الضغينة

حين تتعرض لأذى أو إساءة من شخص تحبه وتثق فيه، فمن الطبيعي أن يكون أول رد فعل لك هو الشعور بالغضب والحزن والحيرة. وإذا سمحت لمخلفات الإساءات أن تتملك تلابيب نفسك وفكرك، فحينها فقط تفسح المجال لبروز مشاعر الحقد والاستياء والرغبة في الانتقام والعدوانية وتبرعمها ثم تجذرها. وإنْ أَتَحْتَ للمشاعر السلبية أن تتراكم في نفسك وتطغى على المشاعر الإيجابية، فقد تتلاطم عندك أمواج بحر المرارة ويغشاك الإحساس بالظلم.

إذا كنت ذا شخصية غير مُتسامحة، فتيقن أنك ستدفع ثمن ذلك بتكرار واستمرار وستُصبح مشاعر الغضب والمرارة مُلازمةً لكل علاقة تُنشئها أو تجربة تمر بها. وقد تغدو حياتك تغص بالأخطاء بشكل يمنعك من الاستمتاع بحاضرك وعيشه بأمان وسلام، وتُصبح أكثر ميلاً للشعور بالكآبة والقلق. ويمكن أيضاً أن تصل إلى مرحلة الشعور بأن حياتك فارغة من أي معنى أو هدف، أو أن معتقداتك أصبحت مشوشةً ومهزوزةً بسبب كثرة تعكر مزاجك نتيجة شعورك بالإجباط المستمر جراء تعرضك لإساءات الآخرين. وفي هكذا حال، تصير أقرب ما تكون إلى خُسران العلاقات القوية التي تربطك بالآخرين.

اكتساب صفة العفو

إن العفو هو قرار إرادي يمكن لأي شخص أن ينجح في إقناع نفسه باتخاذه، ولا نتحدث هنا عن عفو الضعيف أو المضطر، بل العفو في حالة التمكن والمقدرة. وإذا كانت نفسك تستثقل الصفح عن الآخرين عند الزلل حتى إن كانوا أصدقاءك وأقرباءك، فيمكن أن تتعهد نفسك بتغيير هذه النزعة في شخصيتك من خلال البدء ببعض الخطوات من قبيل الآتي:

– التفكير في القيمة العظمى للعفو وأهميته في حياتك وتميزه بآثار إيجابية مستدامة وبعيدة المدى.

– استرجاع الوقائع التي صاحبت الوضعية التي تعرضت خلالها للإساءة، وتذكر طريقة ردة الفعل، ثم تحليل مدى تناسُبها مع حجم الإساءة وقياس مدى تأثير ذلك على الصحة النفسية ومجرى الحياة.

– حينما تكون جاهزاً، كُن إيجابياً واختر عن طواعية مُسامحة الشخص الذي آذاك أو أساء إليك.

– حاول أن تبتعد عن تقمص دور الضحية ولا تسمح لارتدادات الإساءة التي تعرضت لها أن تجثُم على مشاعرك أو تُسيطر على فكرك.

وتيقن أنك بمجرد أن تتخلص مما يتسلل إلى نفسك من ضغائن أو أحقاد، فإنك لن تنظر إلى الحياة مطلقاً من حيث حجم تعرضك للإساءات، بل قد تجد قلبك عامراً بالرحمة والحلم والتفهم، فتتخذ لكل من يؤذيك عُذراً ما، ولو جُزافاً، حتى تشتري هناءك ويستديم صفاء نفسك وسمو روحك.

العجز عن العفو

قد يجد البعض العفو تحدياً أو قراراً يصعُب اتخاذه، خُصوصاً إنْ كان الشخص الذي أساء إليك لا يُقر بإخطائه في حقك أو يُصر على عدم التعبير عن أسفه أو تأثره بما سببه لك. وإذا وجدت نفسك تضرب أخماساً في أسداس بسبب حيرتك وتعجبك من موقفك، فضع نفسك في مكانه وحاول فهم الدوافع التي جعلته غير نادم على الإساءة إليك. واسأل نفسك لماذا تصرف بتلك الطريقة، فقد تكتشف أنك كُنت لتقوم بالشيء ذاته لو تعرضت لموقف مماثل. وبالإضافة إلى ذلك، احرص دوماً على أن تُوسع أفق تفكيرك عن الحياة والعالم بشكل عام، وتوقع أن تُواجه ما حييت مواقف قد لا تروقك وتتعرض لأذى من البعض بين الحين والآخر، واعلم أن تلك أمور طبيعية باعتبارنا نحن كبشر مخلوقات غير كاملة، بل نُخطئ ونُصيب، ولذلك فإن اللبيب هو الذي يستنكر إساءات الآخرين، لكنه لا يستغربها.

حاول أن تتذكر الأشخاص الذين سامحوك بعد أن أسأت إليهم ذات مرة، فهذا قد يُساعدك على اتخاذ قرار العفو والصفح تجاه من تعرض لك بالأذى. وإذا وجدت في نفسك رغبةً في الكتابة لمجلة متخصصة أو ممارسة التأمل أو التحدث إلى شخص ترتاح إليه وتجد فيه الحكمة والقدرة على تقديم المشورة السديدة والمتوازنة، سواءً كان صديقاً أو قريباً أو مرجعاً دينياً أو أخصائياً نفسياً، فافعل ذلك دون تردد.

المُسامحة والمُصالحة

إذا كانت تربطك بمن أساء إليك علاقة متينة، فإن مُسامحتك له تؤدي حتماً إلى المُصالحة وعودة مياه ودكما إلى مجاريها. غير أن هذا لا يكون دوماً أمراً ممكناً، بل قد يُصبح مستحيلاً في حال تُوفي هذا الشخص أو أبدى عدم رغبته في التواصل معك حتى عند العفو عنه. وفي بعض الحالات الأخرى، قد لا تكون المُصالحة مناسبةً. وبخلاف المصالحة، تبقى المسامحة دوماً ممكنةً.

عفو على مضض

إذا بذلت جهدك للعفو عمن أساء إليك وفشلت في الوصول إلى اتخاذ قرار صادق بمسامحة المسيء إليك، فقد يكون وجودك إلى جانب هذا الشخص عامل توتير بالنسبة لك. وحتى يتسنى لك التعاطي مع هكذا موقف وتجاوزه، تذكر أنه يمكنك تجنب الوجود في الأماكن التي يرتادها أو التجمعات التي يكون فيها. وإذا لم يرقك هذا الأسلوب، فلا بأس من وجودك في أي مكان تريده، لكن لا تتفاجأ إنْ تصرف معك بشكل غير لبق أو أبدى تُجاهك مشاعر أكثر عُدوانيةً. وكل ما عليك فعله والحال هذه هو التحلي بصدر رحب وتوسيع أفقك الفكري والحفاظ على أكبر قدر من الهدوء والحلم. وتيقن أنك إنْ فعلت ذلك ستجد أن هذه التجربة ستُساعدك على تثمين قيمة العفو أكثر وتذوق حلاوة آثاره لاحقاً.

مُسيء لا يقبل التغيير

ليس الهدف من العفو والصفح هو دفع الآخر إلى تغيير أفعاله وسلوكاته أو مواقفه، بل إن الهدف منه هو الحفاظ على صحتك النفسية وجعْل حياتك أكثر سعادةً وهناءً، وتغذية روحك بالقيم الإيجابية التي تزيدها سُمُواً وراحةً. ويكفي للمتسم بهذه الصفة فخراً أنه يحرم المؤذي أو المسيء من التمتع بسلطة التحكم في مزاجه وتعكير صفو أيامه ومجريات حياته.

«أنا المذنب»

إذا كنت أنت المذنب والمسيء وكنت أنت من يحتاج إلى العفو والصفح، فأول خطوة يمكنك القيام بها هي أن تُقيم بصدق كل الأخطاء التي ارتكبتها في حق غيرك وتفكر في حجم الضرر الذي تَسَبَبَتْ فيه أخطاؤك للآخرين. وفي الوقت نفسه، تجنب القسوة في الحكم على نفسك. فأنت كائن بشري في نهاية المطاف ومُعرض لارتكاب الخطأ والصواب. وإنْ كنت تشعر حقاً بالأسف لما قُلته أو فعلته، فيكفي أن تُقر بذلك للأشخاص الذين تعرضوا لإساءتك. فتحدث إليهم بقلب خالص عن حزنك وندمك واطلب منهم العفو والصفح، دون تقديم أعذار.

وتذكر أنه لا يُمكنك إجبار الآخر على مُسامحتك. ومهما تكن معادن الأشخاص الذين تُصاحبهم أو تعمل معهم، فاعلم أن معاملة الآخرين بالإحسان والرحمة والاحترام له نتيجة واحدة هو كسب مودتهم واحترامهم، حتى إنْ لم يبدو لك ذلك.

منافع العفو

إن العفو عن الإساءة يُعبد الطريق نحو طرد الأحقاد ومشاعر المرارة والاستياء التي قد تسكن في النفس، كما أنه يُمهد للشعور بأحاسيس إيجابية من قبيل الرأفة والطيبة والسلام. ويمكن حصر منافع العفو في الآتي:

◆ التمتع بعلاقات أقوى وأسلم.

◆ الشعور برفاه روحي ونفسي أعظم.

◆ تراجع شحنات الغضب والقلق والعدوانية في النفس.

◆ انخفاض ضغط الدم.

◆ تجنب أعراض الكآبة.

◆ تلاشي الميول نحو إدمان الكحول أو المخدرات أو غيرها من المواد الضارة بالصحة.

Avatar photo

By حواء مصر

محررة موقع حواء مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *